يواصل موقع كندا بالعربي نشر قصة اللاجئ المصري "رأفت" التي قرأنا الحلقة الأولي منها في هذا الرابط. وفيما يلي الحلقة الثانية علي لسان بطلها:
علمت فيما بعد أنه نظرا للزحف الرهيب من اللاجئين للذين فى مثل حالتى، أى اللاجئين الاقتصاديين تحت ستار اللجوء السياسى، فقد طالب البعض على صفحات الجرائد والمجلات وفى الاذاعة والتليفزيون بضرورة سرعة العمل على التنسيق بين الدول الاوروبية لتوحيد الإجراءات المتبعة إزاء هذا للتدفق الضخم من هؤلاء اللاجئين وسرعة البت فى قضاياهم. سواء إيجابيا أم سلبيا ٠ فإن ثبتت صحة أقوالهم وإنهم فعلا من اللاجئين السياسيين وفى انتظارهم أحكام السجن أو الإعدام فيكون لهم الحق فى اللجوء السياسى. أما إذا اكتشف سرهم وتبين أنهم لاجئيين اقتصاديين فقط فيكون نتيجة ذلك رفض طلبهم والأمر بترحيلهم فورا . كما طالبوا باتخاذ بعضه الإجراءات الوقائية أيضا إزاء هذه المشكلة.. وذلك بتنفيذ العقوبات المالية الضخمة على شركات الطيران التي تسمح بنقل الركاب المسافرين عليها للذين لا يحملون أوراق اثبات شخصية ولبس لديهم تأشبيرات صالحة لدخول البلاد ، لم أنم ليلتى هذه عندما علمت بأمر هذه المعلومات القى أقلقت راحتى، فأصبحت فى حيرة من أمرى.. ترى ماذا سيحدث لى عندما يكتشف أمرى؟ وندمت على اتخاذى هذا الاجراء الذى سوف يقودنى إلى مزيد من المشاكل.
جاء توزيع اللاجئين على المساكن وكانت اقامتي على احدى البواخر التى أعدت خصيصا لهذا الغرض. وذلك لحين البت فى أمر اللجوء. كان مرسى هذه الباخرة يبتعد عن أول مدينة بحوالى عشرة كيلومترات. واعتقد ان هذا الإجراء قد أتخذ حتى لا يسكن اللاجئون بجوار سكان المدينة . وبهذه الباخرة عدة كبائن.. وكل كابينة بها ثلاثة أسرة. اقتسمت كابينة مع اثنين من اللاجئين.. أحدهما ايرانى الجنسية والآخر باكستان. شعرت منذ الليلة الأولى «بالقرف» و«الاشمنزاز» وانتابتنى حالة من الاستياء.. أنا الذى لم أعتد اقتسام حجرتى مع أحد، أجبر الآن على اقتسام كابينة مع اثنين من الأغراب.. لهما عاداتهما وأسلوبهما فى المعيشة الذى يختلف اختلافا كبيرا عن عاداتي وأسلوبى فى الحياة.
علمت من الايرانى.. أنه قى حقيقة أمره لاجى اقتصادى.. تحت ستار اللجوء السياسى وأنه قد ادعي فى البيانات التى أدلى بها للسلطات الألمانية.. أنه على اختلاف مع حكام ايران وذلك لصرامة تطبيقهم تعاليم للدين الاسلامى.. والغاء الحرية الشخصية وانه يحن الى أيام حكم الشاة السعيدة.. حيث طبقت الحرية يأقصى معانيها .. وأخبرنى بأنه قد أدلى بهذه الحجج.. لأنها تتناسب مع الغرب.. ولأنهم ضد الحضارة الإسلامية.. ولذلك فهو يلعب بهذه الورقة الرابحة .
أما اللاجئ الباكستاني فقد أخبرني بأنه لاجئ اقتصادي تحت ستار اللجوء السياسي أيضا...فهو متزوج في باكستان ولديه عشرة أطفال. اثنان منهم معوقان وواحد مريض ولا أمل في شفائه...وهذا بطبيعة الحال يرهقه ماديا بدرجة كبيرة...خاصة أن الأحوال الاقتصادية قى باكستان ليست على ما يرام.. ولهذا فقد نصحه أحد أبناء بلده.. بان يسافر إلى ألمانيا ويطلب اللجوء السياسى. الذى سوف يحل مشاكله المادية، بل ويمكنه تحويل مبالغ من المال لإعالة أسرته فى باكستان. استمعت إلى مثل هذه القصص من كل من قابلتهم على هذه الباخرة .. فلم أجد أحدا لاجئأ سياسيا بمعنى الكلمة.
تنص تعليمات الباخرة التى لابد من مراعاتها بدقة أن الأقطار فى الساعة السابعة صباحأ، الغذاء الساعة الثانية عشرة ظهرأ، أما العشاء فهو فى تمام الساعة الخامسة مساء( معنى ذلك أنه من الساعة الخامسة مساء حتى الساعة السابعة من صباح اليوم التالى لا يوجد ما يؤكل ). وعندما جاء المساء لم استطع النوم لعدة ليالى.. فلم استطع تحمل تلك الأصوات المزعجة المنبعثة من أنوف وحناجر زملائى في الكابينة «أى تشخيرهم». هذا علاوة على رائحة الغازات الكريهة التى كانت تنطلق من فتحات مؤخراتهم وفى أغلب الأحيان تكون مسحوبة بأصوات فرقعات الرصاص.. فكنت استيقظ من نومى.. وبعد ذلك اضطر لمغادرة الكابين قلا يعرف النوم طريقه إلى عينى حتى مطلع الفجر. هذا علاوة على رائحة العرق المنبعثة من أجسادهم التى لم تعرف الاستحمام لفترات طويلة وعدم تغيير ملابسهم التي ينامون ويستيقظون بها ٠ عندما كنت أريد الجلوس والاستماع بهواية القراءة كانت تزعجنى أصوات السادة الزملاء اللاجئين للذين يتحدثون بلغاتهم الغريبة المختلفة المتضاربة والتى لا يمكن للمرء تمييز نوعها أو أصلها .. أصوات شاذة لا تستريح لها الأذان.. ودون مراعاة لشعور الآخرين للذين يجلسون بجوارهم- فكان هذا الضجيج يسبب لى الصداع.. فأنا لا استريح نهارا ولا يمكننى الاستمتاع بالنوم ليلا أيضا وعندما نلتقى فى قاعة الطعام أثناء وجبات الافطار كنت اشعر بالقرف من الأساليب والطرق التى يتتبعونها أثناء الأكل.. سواء بالحديث بصوت عال والفم مملوء بالطعام. أو بالأكل بالايدى القذرة وبطرق بدائية جدا .. أو بمضغ الطعام باصوات عالية أو ما أشبه ذلك، مما يققدنى متعة الطعام.. فكنت اضطر فى أغلب الأحيان إلى مغادرة قاعة الطعام دون اتمام طعامى رغم للجوع الذى كنت اشعر به. والشىء الذى كان يؤلمنى بكثرة.. وكان بمثابة القطرة التى جعلت الماء يقيض من الكوب.. كان دورة المياه فلم استطع الذهاب اليها لما لها من روائح عفنة.. وعدم نظافتها .. وخاصة بعد أن يدخلها خمسة أو ستة أفراد .. على التوالى .. من السادة الزملاء اللاجئين.. فكنت اضطر إلى مغادرة المركب وأسير مسافة كيلومترات حوالى ساعة سيرا على الأقدام حتى أصل الى أقرب مدينة.. وأدخل أحد المقاهى وأذهب لأقضي حاجتي
والشىء الذى كان يزعجنى كذلك جدا هو حالات السرقات.. التى كان يعلن عنها فى فترات متلاحقة. مما كان يتطلب فى بعض الأحيان استدعاء رجال الشرطة.. وقيامهم بعمليات التفتيش. فلم أكن أتصور أن لاجئا سياسيا يسرق زميلا له لاجئا سياسيا مثله.. أو يسرق أى شىء من المركب الذى يأويه.. ولكن طبقات اللاجئين من المستويات الوضيعة هى التى كانت تقوم بذلك. وعندما كان ياتى رجال الشرطة . للتفتيش كانت تنتابنى حالة رعب.. وخوف فظيع خشية فضح أمرى لأنني كنت أعتقد أنهم يحضرون للبحث عن أمثالى الذين يدعون اتهم لاجئون ولكن تحت أسماء وهمية ولذلك فهم يقومون بتفتيش الدواليب للعثور على جوازات السفر التى تثبت صحة تخميناتهم، فكنت أتنفس الصعداء عندما يرحلون. قضيت ثمانية أسابيع فى هذا الجحيم.. والعذاب المرير. ندمت ألف مرة على اتخاذى قرار اللجوء السياسى هذا وسلوكى هذا الطريق.. فلم أعد اشعر بأدميتى على هذه الباخرة.. لست أدرى مانا أفعل.. فكنت فى حيرة ين أمرى.. وأخيرا اعطيت عقلى اجازة.. حتى لا يصيبنى مس من الجنون.
علمت أن اقامتنا فى هذه الباخرة هى فترة انتقالية فقط ولن تستمر أكثر من الوقت الذى مضى.. وبعد ذلك يكون الترحيل إلى مكان اخر.. حمدت ربى على ذلك وأيقنت أن الفرج سيأتى لا محالة.. وانتظرت بأمل كبير نبأ هذا الترحيل لأن أى مكان لن يكون أسوأ مما نحن عليه الآن فى هذه الباخرة وجاء الانتقال إلى «الهايم» أى البيت المعد لنا .. وعندما وصلت إلى هناك أصبت بخيبة أمل كبيرة ، فقد وجدت نفسى فى حجرة من أربعة أسرة. أى أتقاسم هذه الحجرة مع ئلاثة أفراد لا أدرى مصيرى معهم. كان شركائي من الصومال و نيجيريا و الهند .. تكرر سيناريو الروائح الكريهة والاصوات المزعجة المنبعثة من الأنوف والحناجر و كدت أجن.. فأنا لم ولن استطع التأقلم مع هذا الجو الكريه، وأيقنت أن هذا عقاب من الله على ما ارتكبته من ذنوب ووزع منا مبني مائتى مارك كراتب شهرى مع «كارتونة» بها بعض الوجبات الغذائية المجففة مثل الفراخ والجين والزبدة والخبز.. فشعرت بمرارة.. أنا الذى كنت ألعب بالنقود وأسرف مبلغ المائتي مارك هذه فى ليلة واحدة.. كيف أعيش بهذا المبلغ شهرا كاملا . فاقترحت على السادة المسئولين فى «الهايم» السماح لى بالعمل في أي مكان ولكن رفض السماح لي بهذا الامتياز لأن العمل ممنوع لأمثالنا.
كان البعض يتحدث عن امكانية انجاب طفل من أى سيدة ألمانية.. وبذلك يكون له حق البقاء فى ألمانيا تطبيقا لمبدأ «حماية الأسرة» ولكنهم لم يجدوا السيدة الألمانية التى ترضى بهذا اللاجئ «العفن» لكى تربط مصيرها به بانجاب طفل منه.. فهى لا ترضى أن تسىء إلى طفل برىء بهذه الوصمة.
بمرور الوقت وجدت أن عقلى قد أصابه الصدأ.. ازاء هذه الحياة الروتينية.. الرتيبة.. المملة.. وبعد ذلك قالوا لنا لقد جاء الفرج.. فاليوم ستعلن نتائج اللجوء السياسى.. حمدا لله حقا .. أن وقوع البلاء خير ألف مرة من انتظاره. أخذت أدعو الله أن يجاب طلبى ويقبل لجوئى السياسي.. حتى اتخلص من هذا العذاب.. وأغادر هذا الجحيم الذى وضعت نفسى فيه بمحض إرادتى٠ وكانت النتيجة رفض طلبي فلم يعترفوا بى كلاجئى سياسى.. كانت كارثة.. وبرغم أنني كنت أتوقعها فقد كانت هنالك كارثة أكبر.. بلمصيبة. مصيبة اكتسحت أحلامى. مصيبة لم أكن أتوقعها أو أعمل لها أى حساب.. مصيبة جعلت من واقعى أشد كابة. ألا وهى الأمر بترحيلى إلى العراق. وهنا وجدت الدنيا تدور يى.. فلم أدر أين أنا .. وما هو مصيرى، هل سوف أذهب إلى العراقي هل سوف أذهب إلى «صدام حسين»؟ فى الحقيقة أنا استحق هذا العقاب.. فقد أسأت إلى العراق.. وإلى «صدام حسين» دون أى ذنب ارتكبه العراق أو «صدام حسين» فى حقى.. لأننى أدعيت كل ما أدليت به للسلطات الألمانية حتى أحصل على حق اللجوء السياسى. قلم أنم ليلتى ولم يغمض لى جفن.. وأخذت أفكر. وأفكر. وأخيرا هداني تقكيرى إلى أن اعترف بالحقيقة كاملة للسلطات الألمانية.. وليكن ما يكون.. فقد قامرت وخسرت كل شئ..........
للقصة نهاية غير متوقعة فتابعونا في الجزء الثالث الذي سوف يتم نشره قريبا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق