يواصل موقع ألمانيا بالعربي نشر الجزء الثالث والأخير من قصة لاجئ سياسي مصري في ألمانيا, كما يحكيها علي لسانه أثناء لقاء بينه وبين مؤلف كتاب : حكايات وتجارب من ألمانيا.
هذا ويمكن قراءة الجزء الثاني في هذا الرابط
http://www.arabicgermany.org/2015/04/blog-post_92.html
الجزء الثالث: نهاية غير متوقعة
يكمل رافت روايته فيقول: لم أنم ليلتي ولم يغمض لي جفن...وأخذت أفكر وأفكر وأخيرا هداني تفكيري الي أن أعترف بالحقيقة كاملة للسلطات الألمانية..وليكن مايكون..فقد قامرت وخسرت كل رصيدى... وعلي إذن تحمل نتائج فعلتي هذه.
اتصلت بالسلطات الألمانية وأخبرتهم بالحقيقة وأنني مصرى الجنسية ولست عراقيا وأننى قد اختلقت هذه القصة حتى أحصل على حق اللجوء. . وقدمت لهم جواز سفرى المصرى. وكان على القيام بمغامرة أخرى.. وهى تقديم جواز سفرى المصرى لهم.. وتقديم طلب جديد للجوء السياسى ولكن كمصرى هذه المرة. وعليه فكان علي البقاء فى هذا « الهايم» الكئيب فترة أخرى.. فترة كانت اقسى على من فترة اقامتي السابقة به. عدت باختياري إلى الملل. إلى البؤس.. إلى الحياة الرتيبة.. إلى العذاب.. وإلى الجحيم.. اقتسمت حجرتي هذه المرة مع ثلاثة لاجئين من جنسيات أخرى. لاجئ مغربي وأخر افريقى والثالث كردى. ولم يكونون أحسن حالا من اللاجئين السابقين.
تحملت الذل فى هذا « الهايم» لكني هذه المرة كنت قد وضعت خطة لكي أخرج من هذا المأزق الذ وقعت فيه. وبعد أسبوعين من اقامتي أشرت إلى رغبتي فى التنازل عن طلب اللجوء السياسى.. وأننى قررت العودة إلى بلدى مصر وطلبت منهم تسليمى جواز سفري. حصلت على جواز سفرى واستلمت تذكرة السفر إلى مصر ومبلغ مائة وخمسون ماركا لمصاريف الانتقال.. ومنحت فترة أسبوعين لمغادرة البلاد و«شهادة مغادرة البلاد»٠ Ausreise Bescheinigung التى سوف تختمها إدارة الجوازات عند مغادرة البلاد ويرسلها موظف الجوازات إلى السلطات المختصة وفى حالة عدم وصول هذه الشهادة لهم خلال ثلاثة أسابيع, تجرى تحريات رجال الشرطة ويقبض علي وأقدم للمحاكمة ويكون السجن فى انتظارى,
-هذه هى قصتى «من طأطأ.. للسلام عليكم» على رأى المثل.. وأنا الأن فى طريقى الى مدينة «كان» لأن لى صديقا هناك. سبق أن كنت قد تركت معا بعض أشياء تخصنى. وكما سبق أن أخبرتك أنا لا أعمل لا في الحقل السينمائي ولا أي حقل أخر.
- هذه القصة فعلا غربية ولا شك أنك قد قابلت مشاكل خطيرة لم تخطر على البال ولكن النقطة الايجابية قى الموضوع أنك لا تزال قوى الإرادة ولم تهتز ولم تفقد ثقتك بنفسك بعد أن مررت بكل هذه المحن. ولكن ماذا ستفعل الآن؟
-فى الحقيقة لست أدرى. فأنا اصبحت كريشه فى مهب الرياح.. ولا أعرف ما يخبئه لى القدر.
- أنا أريد أن أقدم لك مساعده. فأنت أولا مصرى.. أى ابن بلدى.. وثانيا شخص لعبت يه الظروف.. وقابل العديد من المشاكل.. التى كان الشق الأول منها سبب هذه الكارثة.. هو ذهب الخليج الذى خطف أبصار والديك.. أما الشق الثانى منها فأنت مسئول عنه.. وانت قد دفعت ثمنه غاليا . وأنت الآن يا «رأفت» قد اصبحت شخصية أخرى بعد أن مررت بكل هذه الصعاب وتخطيت بثبات وتغلبت عليها بنجاح ولهذا فأنا اقدم لك بطاقتى هذه بها عنوانى وأرقام تليفوناتي...فبعد وصولك الي كان عليك الاتصال بي وسوف أري مايمكنني القيام به.
-فى الحقيقة.. يا أفندم دى خدمة لن أنساها لك طوال حياتى.. وجميل سأحمله فى عنقى دائما .. وسأكون بطبيعة الحال رهن اشارتك طالما حييت.. إن الله قد أرسلك لى لتنقذني من هذا المصير المجهول. وعليه فسوف أرد لك هذا المعروف باخلاصى لك وتفاني فى خدمتك. ٠ أن هذه الصدفة التى جمعتني بك ما هى إلا ارادة الله.. قد فتحت لى نافذة الأمل بعد أن أغلقت فى وجهى جميع الأبواب.
---------------
أنهيت مهمتي في باريس. وأثناء عودتى بالقطار الى كولونيا لم تفارقنى مشكلة رأفت هذه وأخذت اسأل نفسي كيف يمكننى مساعدته للخروج من هذه الأزمة والمحنة التى ألمت به. خطرت على بالى هذه الأفكار.وفجأة شعرت بعاطفة أبوة نحو رأفت.. عدت إلى الوراء.. وتذكرت.. لقد حرمت زوجتى من نعمة انجاب الاطفال.. ورضيت أنا بحكم الله وارادته. أنا الأن وقد تجاوزت سن الستين. لو كنت قد أنجبت طفلا منذ خمسة وعشرين عاما كان سوف يكون في سن رأفت. إن الانطباع الذى أخذته عن رأفت أنه من معدن نفيس.. وقد قص علي قصتة المثيرة هذه.. بعد أن فاتحته أنا بالحديث.. وطلبت عنه أن يقص علة قصته.. فهو لا يعلم من أنا ولا ماذا يمكننى تقديمه له. ان الانسان فى خريف العمر يحتاج إلى من يقف بجواره. كنت أتمنى وأنا فى هذا السن وامتلك هذه الثروة أن يكون لى ابن يقف يجانبى ويتحمل عنى أعباء العمل .. ويكمل ا لمشوار الطويل الذى بدأته.. ربما كان القدر هو الذى جمعني برأفت. أنا واثق من كل كلمة قالها لى رأفت .
وصل بى القطار إلى كولونيا وكانت مفاجأة لى عندما وجدت زوجتى قى انتظارى على رصيف محطة كولونيا .. فلم نكن قد اتفقنا على اللقاء في هذا المكان.. و لكنها كانت مفاجأة سارة... فاصطحبتها إلى أحد المطاعم الأنيقة للعشاء وهناك قصصت عليها قصة رأفت المثيرة بكافة تفاصيلها وكل ما دار فى مخيلتي. وشعرت بسعادة غامرة عندما وجدت من زوجتى الترحيب بهذه الفكرة. فقد كنت أخشى أن تؤلمها فكرة اتخاذ رأفت ابنا لنا .. أو ربما تثير هذه الفكرة ذكريات أليمة لها بخصوص حرمانها من نعمة انجاب الاطفال.. ولكنها أخبرتنى بأنها فى هذه السن المتقدمة كانت تحن فعلا لطفل يكون بمثابة أبن لنا .. ولكن تقدمها فى السن كان يقف حجرة عثرة إزاء تحقيق هذه الأمنية. لأنها لن تكون لها القدرة الكافية لتربية طفل صغير. ولكن أن ليكون لنا طفل فى عمر الشباب.. فهذه أمنية.. أرجو من الله تحقيقها وعليه فاتجهنا سويا فى اليوم التالى إلى أحد المحامين المختص فى مثل هذه الأمور..ولكن المحامى أخبرنا أنه لا يمكن القيام بتبنى رأفت. وذلك لما بدر منه بخصوص اللجوء الذى تقدم به وأن جميع بياناته قد سجلت فى أرشيف رجال الشرطة ومكتب الأجانب.
ومرت على مقابلتى الأولى لرأفت فى القطار حوالى أسبوعين. . ولم أتلقى أية مكالمة تليفونية منه.. أو أسمع أية أخبار عنه.. وكانت زوجتى تسألني عنه دائما فلم أكن أدرى أين يمكننى العثور عليه أو السؤال عنه. وبعد أسيوعين٠٠ أثناء قيامى برحلة عمل اذ بي اتلقى مكانة تليفونية على المحمول.. وكانت مفاجأة لى أن يكون المتحدث على الجانب الآخر هو رأفت ٠ واتضح أنه يتحدث من مطار فرانكفورت فأخبرته بعدم التحرك ومقابلتي في المطار وبعد ريع ساعة كنا المحامى وأنا فى المطار. . ومن حسن حظ رأفت ايضا أن موظف الجوازات الذى استلم منه شهادة مغادرة البلاد. كان قد ختمها وألقى بها فى صندوق البريد .. ثم غادر المطار لأن ورديته كانت قد انتهت.. وجاءت وردية موظف جديد .. لا يعلم شيئا عما تم فى أمر رأفت ٠ وفى المطار تقدم المحامى إلى الموظف ا لمسئول .. وطلب منه المناداة على السيد «رأفت حسن الرشيدى» واستدعانه لأمر هام.. ولما حضر رأفت قدم المحامى للموظف تعهدا كتابيا بانه على مسؤوليته الخاصة سوف يأخذ رأفت معه. ونظرا لأن رافت لم يكن لديه الا حقيبة يد واحدة فقد ألغيت اجراءات سفره بسهولة.
في طريقنا الي مدينة كولونيا لاحظت أن رأفت شارد الفكر ودائم التفكير ومكتئب بعض الشئ فأخبرته بأنني قد أطلعت محامي الشركة علي مشكلته بكافة أبعادها وبكل تفاصيلها وأنه قد وعدني بايجاد حل له.
وصلنا الي مدينة كلونيا فقامت زوجتي باستقبال رأفت في منزلنا ثم اصطحبته الي أحد المحلات التجارية لشراء كل مستلزماته. وحتي لايجد الملل طريقه الي رأفت فقد اصطحبته معي عدة مرات في زيارات قصيرة الي الشركة وكنت أحيانا أكلفه ببعض الأمور الصغيرة , وتطور الأمر بعد ذلك إلى بعض الأمور الكبيرة.. إلى أن اصبح رأفت بمثابة ذراعى الأيمن فى الشركة فكان يتفانى فى انجاز المهام الى كنت وكلته بها وذلك بمنتهى الدقة وغاية الاخلاص٠ أصبح رأفت شخصية محبوبة للجميع. خاصة بعد أن استرد هدوئه.
و بعد عدة أسابيع تعرف رأفت على سوزان أخت سكرتيرتي فى الشركة. التى حضرت لزيارتها يوما و أعجب بها بعد أن دار حديث طويل بينهما .. واستأذننى فى دعوتها خارج الشركة.و تكررت دعواته لها .. وتطور الأمر حتى أنها كانت تنتظره يوميا بعد انتهاء عمله. سألت سكرتيرتي عن شعور أختها سوزان بالنسبة لرأفت. قأخبرتنى بانها فى حالة حب وهيام به.. وانها دائمة الحديث عنه بالمنزل.. سعدت بهذه الأخبار وفى اليوم التالى.. سألت رأفت.. عن شعوره نحو سوزان واذا كان يرغب فى الاقتران بها . و كانت فرحته لا تقدر عندما عرضت عليه هذه الفكرة.. وفى حقل عائلى احتفلنا بعقد قران « ابننا رأفت» على خطيبته سوزان كان حقلا جميلا لا ينسى.. رغم اقتصاره علي أفراد العائلتين.. وبذلك أسدل الستار عن مشاكل ومتاعب وصعاب رأفت وانتهت هذه المشاكل التى كادت تقضى عليه. نظرا لتقانى رأفت فى العمل وإخلاصه لى ووفائه بوعده وبكل ما أدلى به فى حديثه معى فى القطار قى المقابلة الأولى.. قررنا زوجتى وأنا أن يسكنا «رأفت وسوزان» معنا فى الفيلا الخاصة بنا على أن يتخذ هو زوجته الغرفة الخالية التى فى الطابق العلوى من الفيلا، كما قررت تعيين رأفت مديرا مسئولا عن شئون عملاء الشركة العرب فى الدول العربية وذلك سعدنا «زوجتى وأنا » بابننا «رأفت» وتحققت بذلك أمنية زوجتى التى كانت تتمنى أن يكون لها ابنا فى سن الشباب.

انا بقالى سنتين ونص عذاب فى المانيا
ردحذف