![]() |
| صورة رمزية, وليست لبطل القصة |
فى أحد أيام صيف 1995 فضلت السفر إلى باريس بالقطار. بدلأ من السفر بالسيارة لكى استمتع بالقراءة أثناء السفر. وكانت مفاجأة سارة أن يجلس قى المقعد المواجه لى شاب ذو ملامح مصرية .. وكان فى الخامسة والعشرين من عمره تقريبا. ٠ ودون مقدمات وجهت له السؤال باللغة الألمانية.
-هل حضرتك مصرى؟
-نعم فعلا وسيادتك؟
- أنا مصرى ومقيم فى مدينة «كولونيا » وفي طريقى إلى باريس لمدة ساعات فقط لقضاء بعض المهام التجارية وسوف أعود بإذن الله فى المساء وأنت؟
- أنا مسافر إلى مدينة «كان»
-هل أفهم من ذلك أنك تعمل فى الحقل الفنى « السينما مثلأ»؟
- لا.. أنا لا أعمل فى هذا الحقل ولا فى أى حقل اخر غيره.. فى الحقيقة هذه حكاية طويلة وهى سبب سفرى إلى مدينة «كان»، إن لم يكن لديك مانع أحكيها لك.
- طبعا أنا ليس لدى مانع، بل ويسعدني سماعها
وكانت قصة مثيرة فعلا بلغ عمرها أكثر من ثلاثة سنوات بدأها «رأفت» بما يلى:
كان والدى مدرسا للغة الانجليزية ووالدتي مدرسة للغة الفرنسية ورغم المستوى المعيشى المرتفع الذى كنا نعيش فيه من دخلهما المحترم من الدروس الخصوصية، إلا انهما قررا السفر إلى الكويت لجمع المزيد من المال، فقد خطف أبصاريهما بريق ذهب الخليج.
وتركت بمفردى فى القاهرة فى شقتنا بحي المهندسين. وجدت نفسي لأول مرة اتمتع بحرية كبيرة ودون رقابة من أحد، لم يبخل علي السيد الوالد بإرسال النقود التى اطلبها أو لا اطلبها، فقد كان كريما جدا معى حتى اننى لم أكن أعرف لهذه للنقود طعما فقد كانت
كثيرة أما طلباتى المادية فقد كانت كلها مجاية، ويعد محاولات ليست بالقليلة تمكنت من الحصول على الثانوية العامة وكان ذلك على رأى المثل «بقدرة قادر» وبمعجزة من السماء» و«دعاء الوالدين».
طال غياب والدى ووالدتي فى الكويت وإن كانا يواظبان على الاتصالات التليفونية يى والتي لم يكن يزيد فحواها على السؤال عن أحوالي الصحية والدراسية. وطبعا كانت إجاباتى مطمئنة لهما دائما كان لديهما شعورا كبيرا بالذنب تجاهى. وللتكفير عن هذا الشعور كان يرسلان لى مزيدا من النقود وكشاب فى مثلى سنى ودون رقابة وصاحب شقة في المهندسين وسيارة ونقود كثيرة، كان لى بطبيعة الحال أصدقاء كثيرون، أصدقاء الأنس، كنا نقضى ضعظم أوقاتنا في اللهو والمرح والانسجام ولعب «البوكر» وفى
السهرات الليلية الى الصباح سواء فى الملاهى العامة أو الحفلات الصاخبة فى شقتنا فى المهندسين وطبعا النوم طول النهار استعدادا للسهرات الليلية التالية.
وعن طريق مكتب للتنسيق بالجامعة. التحقت بكلية الآداب قسم «التاريخ» وأعترف بأنني لم أر مبانى هذه الكلية من المداخل سوى مرتين فقط طوال العام الدراسى.. المرة الأولى. يوم التسجيل قى الكلية والمرة الثانية عندما ذهبت إلى الكلية للحصول على جدول مواعيد المحاضرات.. وعندما جاء موعد تأدية الامتحانات اعتذرت وقدمت شهادة مرضية.. لم أكن أفكر فى المستقبل ولا ما يمكن أن تخبئه لى الأيام فيما بعد.
وفى يوم لم تسطع فيه شسس، وصلتنا أخبار اعتداء العراق على الكويت وبعدها وصلنى الخبر الذى هز أعماقى، خبر وقوع والدى ووالدتى ضحايا هذا الاعتداء الغاشم قى الكويت..شعرت بفقدان توازني لم أدر أين أنا .. وانتابتنى نظرة تشاؤمية للحياة٠٠ وأحسست بالاختناق.. ولم استطع التنفس.. فأدركت أننى قد اصبحت وحيدا، ولم أدرى ماذا أفعل.. و لم أجد أحدا يجوارى يشد أزرى، حتى أصدقانى، انفضوا عنى وتسربوا فلم أعد «رأفت» صاحب المال والجاه.. فشعرت بمرارة قى حلقى، وماتت الابتسامة على شفتى
بعد إنتهاء النقود التى كانت متبقية صعى، قررت التنازل عن الشقة التى كنت أقيم فيها بالايجار مقابل مبلغ من المال، قمت بتحويله فى البنك إلى دولارات لأنني كنت قد عزمت علي السفر الي أوروبا, هروبا من الواقع الذي كنت أعيش فيه في مصر.كنت معفي من تأدية الخدمة العسكرية لأنني كنت وحيد والديه, فاستخرجت جواز سفر وحصلت علي تأشيرة وسافرت الي فرنسا.
قضيت عدة شهور فى باريس، تبخرت بعدها الدولارات التى كانت متبقية معى فشعرت لأول مرة باحساس الغربة ومن هنا بدأت رحلة الكفاح.. فكان علي البحث عن عملى لكى أعيش.. أى عمل رغم حصول على مبالغ ضئيلة جدا مقابل الأعمال التى
كنت أزاولها ، بظروفها المجحفة والمهينة إلا أننى كنت سعيدا جدا بها وذلك لأنني شعرت لأول مرة بأن للنقود طعم، طعم لم أكن أعرفه عندما كنت احصل عليها بدون أى مجهود. لم تكن لدى الأوراق الخاصة بالترخيص بالعمل فتحايلت على ذلك بالعمل عند بعض الأجانب.. فكنت أقوم ببعض الأعمال التى لا تتطلب خبرات كبيرة مثل النقاشة لصق الأوراق على الحوائط. ترميم الشقق والمنازل القديمة.. إلى أخر هذه الأعمال التى كنت أحصل عليها .
ورغم الأجر الضئيل الذى كنت اتقاضاه إلا أننى كنت أجد منافسة ضارية فى الحصول على هذه الأعمال خاصة صن شباب المدرب العربى « الجزائريين.. الغاربة. التوانسة» وذلك لاتقانهم اللغة الفرنسية . لقد قابلت أزمات طاحنة.. وواقع مدمر.. قاسيت منه ليل نهار . رغم ذلك فقد اضافت لى هذه المحن قوة وصلابة وعزما وتصميما على الاستمرار.. باريس الجميلة لها وجه اخر وجه فى غاية القيح عندما لا تمتلك المال فيها لع تشعر فيها بأنك فى مكان غريب، ومحاط بناس لا تعرفهم يتدافعون فى الشوارع
وا لأسواق .
نصحنى البعض بالسفر الى ألمانيا ، حيث فرص العمل اكبر من باريس وعدم وجود المنافسة من شباب المغرب العربى كما هو الحال فى باريس. وفى ألمانيا وجدت أن امكانية العمل دون الحصول على الترخيص به من السلطات الألمانية اصعب جدا مما كان عليه الحال فى فرنسا وذلك لدقة الشرطة الألمانية فى تعقب المخالفين للقانون، فيعاقب صاحب العمل بغرامة مالية ضخمة أما العامل المخالف فيرحل الى الدولة التى ينتمى اليها وذلك بعد تقديمه للمحاكمة وإدراج اسمه فى القائمة السوداء وعدم السماح له بدخول ألمانيا فى المستقبل مرة أخرى. علمت أن السبب فى تطبيق هذا القانون فى ألمانيا بهذه الصرامة والجدية هو:
أولأ٠٠ ضرورة حصول الدولة على الضرائب المستحقة لها من العمال، لأن الضرائب هى عماد الإقتصاد القومي ولا يمكن بأى حال من الاحوال التهرب منها
ثانيأ٠٠ أن تطبيق هذا القانون هو فى صالح العمال أيضا وذلك لحمايتهم ولتأمين الحياة الكريمة لهم ، حتى يعيشون فى ظروف مأمونة، فهو يحميهم من تعسف أو استغلال صاحب وحتى لا يرغمون على تقاضى الحد الأدنى من الأجور هذا بجانب حمايتهم من الفصل التعسفي ومساعدتهم في حالات العجز والمرض.
قابلت أحد الأجانب الذى عرض علة فكرة الزواج الصورى من فتاة أو سيدة ألمانية لكى أحصل على ترخيص العمل من السلطات الألمانية ولكنى رفضت هذا المبدأ كلية لأننى على علم بعواقب تلك المغامرة من خبرات من سبق لهم طرق هذا الباب.
أجبرتنى الظروف الصعبة على قبول بعضه الأعمال الوضيعة أو الخطرة أو الصعبة أو غير الصحية التى كان يرفضها العمال الألمان ولا يقبلون بها. كان بعض العمال الألمان يعتقدون أننى «تركى الجنسية» فكانت معاملتهم لى معاملة سيئة والسبب فى ذلك هو كراهية العمال الألمان لزملائهم العمال الأتراك أنهم يعتقدون أن العمال الأتراك دخلاء عليهم وهم السبب فى تخفيض معدل أسهم التى كانوا يتقاضونها بسبب منافسة العمال الأتراك لهم، لأنهم يقبلون الأجور المنخفضة كما يعتقدون أيضا أنهم السبب المباشر فى «البطالة» الموجودة في ألمانيا، خاصة وقد وصل عدد العمال الأتراك قى المانيا إلى اكثر من مليونى تركى.لا يستطيع العامل التركى الدفاع عن نفسه لعدم اجادته اللغة الألمانية رغم بقائه سنوات عديدة فى ألمانيا ولخشية فصله من العمل وذلك لعلمه يأن المانيا ليست وطنه وعليه فليست له حقوق العامل الألمانى.اطلقت السلطات الألمانية على العمال الأجانب (جاست آربيتر) أى العمال الضيوف كتعبير محترم له معنى التقدير إلا أنه بمرور للوقت اصبح هذا التعبير بمثابة «إهانة» تطلق على العامل الأجنبى الذى لا يجيد اللغة الألمانية.
عرض علي أجنبى اخر فكرة « اللجوء السياسى» فاستبعدت هذه الفكرة ايضا لما فيها من مخاطر ومشاكل أنا فى غنى عنها فأنا لست سياسيا. ولم أعمل فى الحقل السياسى يوما ما ، ولم أنضم الي أي حزب أو منظمة سياسية طوال مياتى، كما أن سجلي
الشخصي «نظيف» أى ليست لدى أية أحكام جنائية أو مدنية.. فلماذا أقوم بهذا العمل الذى يعود علي بأسوأ العواقب ويعرض وطنى للسمعة ا لسيئة في المجال الدولى .لكن سوء حالتى النفسية جعلتني أفكر فى أمر هذا « اللجوء السياسي» من باب العلم فقط.
فأخذت أجمع المعلومات من الأجانب المقمين قى المدينة التى أقطن بها وهى مدينة «كولونيا». وأخيرا استحسنت فكرة عرضها علي أحد الأجانب الذى لم يكن لاجئا سياسيا بل كان على حد قوله لاجئا اقتصاديا «تحت ستار» اللجوء السياسي. علمت منه أنه تبعا اتفاقية « جنيف» سنة 1951 و سجل محضر نيويورك 1976 ، تم تعريف حالة أو وضع اللاجنى وأكدتا على أحقيته فى الحصول على رد سريع على طلب اللجوء المقدم منه. كما أنه فى أول يوليو 1993 قد تم تعديل المادة 16 من القانون الأساسى « الألمانى» التى ن تضمنت الاعتراف يالمضطهدين سياسيا ويأحقيتهم فى اللجوء وذلك لحماية كرامة الإنسان. وأنه في العادة تبدأ اجرءاءت اللجوء كالتالي :
- عند دخول البلاد يتقدم اللاجىء بطلبه إلى رجال الحدود وبعد ذلك إلى مكتب الأجانب Auslaender Amt ومكتب الشرطة
-فاما أن يرفض طلبه ولا يسمح له بالدخول Einreiseverweigerungوفى هذه الحالة يعود مقدم الطلب إلى الدولة القى جاء منها ٠
- أو يسمح له بالدخول فيتقدم بطلب اللجوء إلى المكتب الاتحادى Bundes Amt وتبدأ إجراءات فحص أسباب اللجوء:
- إما أن يقبل الطلب ويتم للاعتراف له بحق اللحوء٠
- أو يرفض الطلب وفى هذه الحالة لا يكون له حق اللجوء ومعنى هذا أنه ولابد من مغادرة البلاد وتبدأ اجراءات الترحيل إلى دولة ثالثة.
-وربما تكون هناك عوائق فى تنفيذ هذا الترحيل وهنا تبدأ عملية فخص هذه العوائق وتنظيمها والعمل على الترحيل الى للدولة الاصلية لمقدم طلب اللجوء.
- أما اذا ثبت عدم امكانية الترحيل إلى الدولة الأصلية فيعطى اللاجئ حق الاقامة المؤقتة أو الصبر عليه أو منحه الاقامة العادية.
علما بأن هنالك اجراءات أخرى كثيرة لهذه الاتفاقيات والتى يحتاج تنفيذها إلى خطوات عديدة وذلك حسب الإجراءات المتبعة فى كل دولة من الدول الاوروبية. وهذا بطبيعة الحال يستدعى وقتا طويلا .وأثناء هذه الفترة يمكن للمرء تدبير حاله
بعد سماعى لهذه المعلومات توجهت بحذر وخوف شديد إلى السلطات الألمانية وأخبرتهم باننى «عراقى الجنسية» وأنني دخلت ألمانيا بطريق غيرشرعى، بدون جواز سفر أو أية مسندات وأنني تمكنت من الهروب من الدكتاتور العراقى «صدام حسين» وإذا عدت إلى العراق فسيكون مصيري التعذيب وحكم الاعدام رميا بالرصاص في انتظارى لا لشىء إلا لأنني رفضت الانضمام إلى جيش «صدام حسين»٠
لم أصدق نفسي، واختفت الرهبة التى كانت تنتابني عندما قوبلت بالاحترام من السلطات الألمانية وعوملت معاملة ادمية وبدأوا يسجلون أقوالى، ونظرا لعدم اتقاني اللغة الانجليزية لم أتمكن من الرد على بعض الاسئلة فةخبرونى بانهم سوف يستدعون مترجما للغة العربية حتى يمكننى الرد على الاسئلة الموجهة لى بدقة. وجاء هذا المترجم وكان مصريأ، نظر إلي وقال :..
- بس انت مش عراقى
فانهمرت الدموع من عيني وأيقنت أن أمري انكشف ولابد من ترحيلي الأن . وحمدا لله أن المترجم المصرى كان كريما معى فلم يشي بي واكتفى بالترجمة الفورية فقط وحمدت ربى على مرور هذه الخطوةالأولى بسلامة.في مشوار طويل لا أعرف مصيرى فيه ولا إلى أين سينتهى بى ا لمطاف.....
هنا ينتهي بنا الجزء الأول من قصة رأفت وسوف نوافيكم قريبا بالجزء الثاني

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق